الجمعة، 8 مايو 2015

وهم - قصة قصيرة


الحمد لله ، شاركت في المسابقة الأدبية - فرع القصة القصيرة في جامعتي، جامعة جازان ..
وحصلت قصتي على المركز الأول على مستوى الجامعة ^_^

كانت كمحاولة فقط، تشجيع والدي يومها وحماسه لمشاركتي، دعم أمي أيضاً، حقيقة لم أكن لأشارك لولا تشجيعهما :)

قراءة ممتعة، وتهمني أرائكم ^_^

// 







لماذا تحيا على هذه الأرض ؟
السؤال الأزلي الذي لا تنتهي إجاباته ، تتكرر ربما ، تختلف حكاياتنا باختلاف الإجابة ، وبحكاياتنا نحيا ، وبحكاياتنا نموت ، وتستمر الحياة غير مكترثة لأي من العابرين .. 
غريبة إجابتك حين سألتك : لماذا تحيا ؟
أجبت بدون تفكير وبلا مبالاة : تخيل لو كانت حياتك وهما ؟ 
- بدون فلسلفة .. أعني هل لديك هدف ما تحيا لأجله ، أو حلم ، أو .. 
- ماذا إذا تخلى عنك الحلم ، ومت دونه ؟ 
- هه جميعنا سنموت يا هذا ! ورغم ذلك نحن نحلم !
- لا ، أحياناً ، وبدون اختيار منك ، سيلعنك الحلم لعتبة الموت ، وستنتظر فقط أن تموت ..

ختمت حديثك بشبح ابتسامة ورحلت ...


***

كانت تلك بداية موتك كما تقول ، حين لعنك الحلم ، حاولت جاهداً أن أتذكر البداية ، بدأ حلمنا الصغير بإنشاء مشروعٍ خاص وفريد من نوعه ، أذكر كيف سخر منا الكثير ، قليل من اهتم لفكرة عملنا الخاص .. 
أعترف بأنني لم أؤمن بالفكرة كما يجب ، ولكنني أحببتها ، وآمنت بك .. وبدأتُ معك خطوة بخطوة ، كنت فقط أريد أن أشاركك ، لم أهتم جيداً لنجاح الفكرة أو فشلها كما كنت أهتم لأن نعيش الحلم ..
لن أنسى سخرية الآخرين ، لم أنسَ ما فعله بعض الحسّاد حين أرادوا تشويه سمعة عملنا ، ولن أنسى أيضا صديق الجامعة أحمد الذي حاول سرقة الفكرة .. ولكننا ورغم كل شيءٍ كُِتب لنا النجاح ، وصار مشروعنا مقصداً للكل ..
بدأت أعمالنا تتوسع شيئاً فشيئاً ، وكان يُتوقع لها النجاح على مستوى عالمي .. 
ثم كان ذلك اليوم الماطر ، أتيت لشقتي ، وأصررت على الحديث بالخارج ، قلتها بجملة واحدة: ( عمر، اللعنة على الحلم وعلى العمل الخاص، لينتهي كل شيء، ولا تسأل لماذا .. ) 
ورحلت بصمت ..


***

رحلت أنت .. وبقيت وحيداً يائساً ومحبطاً، وحدها يارا لم تهتم بما كان يُقال عن جنوني ، وعن مشروعنا ..
كانت ترى فيّ ما لا يراه الآخرون .. وحدها يارا من كانت بقربي في غيابك ، ووحدها من كانت تخبرني بأنك ستعود .. آمنت يارا بي ، وآمنت بك ..
هي تعرف جيدا بانطوائيتي ، عزلتي ، ولكنها نجحت في إقناعي بأن أبدأ من جديد ، بعد أن رحلت أنت وخسرت عملي تبعا لذلك .. كم أحببتها .. كم آمنت بها .. كم كنت ممتنا لقربها حين قبلت بي ؟


***

إذن لقد عدت ؟! فشل السؤال الذي حاولت به أن أستنطقك ، أن أعرف به كيف تحولت لشبح إنسان ، سنتان لم أعرف عنك شيئا ، وحين عدت ، عدت خيالاً ، بل وهماً ..
لم تكُن أحد الأحياء على الأقل ، آلمني منك جداً يا صديقي حين رأيتُك صدفة في الحي القديم ..
أنا الذي قضيت الفترة الماضية لا أنفك أسأل عنك ، أبحث ، وأدعو الله كل وقتي أن تكون بخير ، وأن نهاية حلمك تلك كانت مزحة .. 
صدمت بالشبح الذي رأيت حين زرتك في مكان عملنا سابقاً ، والذي أصبح منزلاً لك ، حتى رائحة العفن تسكن معك ! هل أنتَ أنت ؟ أم جثة تلبست جسدك وسكنتك ؟ 
غباء أنني بكيت حين رأيتك ، والأغبى أنني وقفت عند بابك أرجوك أن تسمح لي بالدخول .. لكن ، اليوم وأنا أرى احتضارك البطيء ، أعذرك ، وأشفق عليك .. رغم اني أعرف أنك تفضل الموت على شفقة أحد ما .. 
رغم كل ما فعلته يا صديق ، حين حدثتني عن مشروعنا ، عن رغبتك في إعادة بنائه .. أسعدني اقتراحك ذلك .. أشعرني بأنك لازلت تريد من الحياة شيئا ما .. تركت ما بدأته مع يارا ، وعدت لعملي معك ..


***

- متى ألقيت بنفسك في الهاوية ؟ 
- لنقل بأنها هي من سحبتني إليها ؟ 
- كيف ذلك ؟ أليس لك اختيار ؟ 
- حتى الاختيار يسخر منا أحياناً ، يخذلنا حين نحتاجه بشدة ، يهرب بعيدا .. ويتلبسنا العمى .. 
- عذرا يا مغفل ، كان بيدك أن تزيل غشاوة عينيك عند أول منحدر ، كان بوسعك أن تلجأ لإيمانك ، ألم تكن مؤمنا ؟ 
- اصمت .. سيأتي سؤال الملائكة عن إيماني قريبا جدا .. لستُ مضطرا لإجابتك .. وليس من شأنك أن تسأل .. 
- ها أنت تهرب مجددا ، اصرخ كما تـ .. 
ألجمتني نظرتك ، دموعك .. تباً لك ولي ولصداقتك الهشة .. ليتك تخبرني ما بك ؟! 
لماذا تصر على إحساسك بأنك وهم ، بأنك هامش ؟ لم تصر الآن على أن تحادثني بحديث الأموات ؟ وتخبرني كل مرة بأن هناك من يريد موتك ، وموتي ؟


***

حين أمسكتْ بي يارا ، وأصرّت بكل ما في العالم من إصرار على أن أرافقها ولو لمرة لرؤية طبيب نفسي .. ما الذي كانت تعتقده عنّي برأيك ؟ 
لن أُنكر أنني تخبطت كثيرا بعد غيابك ، شعرتُ بأنني في منفى .. لا يتسع إلا لأمثالي .. 
لن أنكر أيضا أنني وبعد عودتك لازلتُ أشكّ في عودتك، وأشكّ في صدق كل العالم إلا حقيقتك ..
ما معنى أن تقول لي ( سأرحل وسيرحل الحلم معي ) .. ماذا أبقيت لي من الحياة ؟
ما معني أنني بعد انتظاري ، أجدك وكلي فرح بعودتك ، لتقابلني بيأس الأموات ، بهدوء الغرباء ، أنت لم تكن أنت ! ولم يكن لي إلا أنت .. 
كان يؤلمني أنني حين أسأل عنك ، ينكر الجميع معرفتك ! كان يؤلمني أن لا أحد يرغب في تذكرك ، لا أحد يريد أن يساعدني ! 
استجبت لطلب يارا الغريب ، كأملٍ أخير في أن أخبر الطبيب عنك ليعرف مشكلتك .. 
كانت زيارة واحدة ، كان واضحاً جدا بأن لدى الطبيب مشكلة ما معك أنت بالذات ..

أسئلته كثيرة جدا عني وعنك وعن حلمنا ، أين تعرفت عليك ، من يعرفك غيري ، أين ذهبت ، متى عدت ؟ .. هل من حق الطبيب أن ينكأ جرح مريضه ؟ 
كان يحاول أن يهدّئ من غضبي حين أجابني بما قاله الآخرون : " اسمعني أرجوك يا سيدي ، فكّر بعقلانية وأجبني .. من يكون هذا الصديق الخيالي الذي لا يعرفه سواك ؟ " ، تحدث معي بعدها بلغة طفولية ، كمن يخبر عجوزاً خرفاً بأنه سوف يموت .. أخبرني أنني أعيش بالوهم ، وأن دماغي ذو الخيال الواسع ، جعل منك حقيقة .. 
هل من حق الطبيب أن يتحدث مع مريضه بلغة كهذه ؟ أنا لستُ مجنوناً !! 

لم أعد لعيادته مرة أخرى .. صرختُ في وجه يارا ، بأنني لن أعود .. ان كانت ترى فيّ مشكلة ما ، فلتذهب للجحيم هي وطبيبها المعتوه !


***

وأخيراً ها أنت توافق على أن تفتح عينيك لتبصر الحياة مجدداً ، أن تخطو خطواتك الأولى
بعيدا عن حافة قبرك التي لازمتها منذ شهور ..
- ما رأيك بالسفر ؟ 
- لا أرجوك ، أريد الموت في بيتي ، وأن أدفن في قريتي  .. 
- لماذا تصر على ذكر الموت ! ثم ما الفرق ان كان موتك هنا أم هناك ؟ لن يكترث لشأنك سواي .. 
- صحيح ! حسنا سأفكر بذلك .. ولكن عدني أنك ستزور قبري كل أسبوع إذا دفنت هناك ، لن أكون وحيداً أليس كذلك ؟ 
- شخص مريض بالوحدة يخاف أن يموت وحيدا .. هههه أين تعرفت عليك أيها المجنون ..! 
- تستطيع أن تتركني إذا شئت ! أيها العاقل !
سكت عن اجابتك ، يأسك الأعمى يمنعك من رؤية الحياة التي تستقبلك كل يوم ، فكيف برؤيتي أنا .. لا بأس صديقي ، أنا لن أملّ انتظارك .. 

عند انتظاري لك في صالة المغادرين كان ذلك الاتصال المشؤوم، وكانت تلك بداية وداعك ..


***

- عمر ، أرجوك ! أنا في المستشفى ، وأحتاج إليك الآن ، لن تتركني يا عمر ؟ 
- يارا ، ما بك ؟ أنا في المطار ، وأنتظر موعـ .. 
- عمر ! لا وقت لدي ، مسألة حياة أو موت .. 
تركت صالة المغادرة اختياراً ، وذهبت لملاقاة يارا بالمشفى .. 
شيء بداخلي كان يخبرني أن أهرب ، أن أركب تلك الطائرة ، أن لا أستمع ليارا .. 
عند باب الطوارئ ، كانت يارا بانتظاري ، يرافقها طبيبها اللعين ، ومجموعة ممرضين .. 
- عمر ، أرجوك سامحني .. "قالتها وهي تبكي" 
- يارا ! ما الذي تحدثنا به مسبقا ؟! "بغضب الأرض أجبتها"

وحدث أن غبتُ مجبرا عن وعيي ..


***

حين تكون معلّقاً بين الوهم والواقع ، أن ترى ما لا يُرى ، وتحيا لنفسك حكاية لا يقرأها سواك ..
يسألك كل من حولك: بمَ تفكّر؟ مع من تتحدث؟ .. 
يراقبونك من بُعد وعن قرب، خوفاً عليك من عقلك ، أن تتبع الوهم الذي يسكنك ، الذي تراه ويراك .. ولا يُرى لهم سوى تخبّطك ..

- لماذا تحيا على هذه الأرض إذن ؟
يسألني أحمد رغبة منه في انتشالي من إحباطي ، وبابتسامة ساخرة أتذكرك وأجيبه :
- تخيل لو كانت حياتك وهماً ؟
ليتني فهمتُ يومها المعنى ...


وداد الحازمي - 
9/11/2014